Sunday, 17 March 2013

نماذج لاستراتيجيات الدعم التربَــــويّ


نماذج لاستراتيجيات الدعم التربَــــويّ

نماذج لاستراتيجيات الدعم التربَــــويّ

فريد أمعضشــــو*: يعد الدعم التربوى واحداً من المجالات التى بحثها رجال التربية، وأوْلوْها قدراً غير يسير من العناية؛ وذلك لأهميته البيداغوجية، وضرورته لإنجاح العملية التعليمية-التعلمية... وسنحاول فى هذه المقالة تسليط الضوء على هذا الموضوع من جوانبَ مختلفةٍ، معتمدين بالأساس على كتابيْ "بيداغوجيا الدعم" المنشور ضمن
سلسلة "التكوين التربوي" المعروفة، و"بيداغوجيا التقييم والدعم" المؤلَّـف من قِبل الأستاذين عبد اللطيف الفاربى ومحمد آيت موحى. ولتكنْ بدايتنا بتحديد حقيقة الدعم لغة واصطلاحاً، وإبراز أهميته المؤكدة.

1/- الدّعم: ماهيته، وأهميته بيداغوجياً.

تفيد كلمة "دعم"، فى معاجم اللغة العربية، معانى الإسناد، والإعانة، والتقوية، والتثبيت. يقول مؤلِّفو "المعجم الوسيط": "دَعَمَه يَدْعَمُه دَعْماً: أسْنَدَه بشيءٍ يَمْنَعُه من السقوط. ويُقال: دَعَم فُلاناً؛ أعانَه وقوّاه... دَعَّمَه: قوّاه وثبَّتَه... اَلدَّعْمُ: القوّة...""1"
ويقصد بالــدعم فى اللغات الأجنبية "الفرنسية مثلاً" جملة معــــانٍ، منها: إسْناد الشيء ومـــنعه من الســــقوط، والإسعاف، والتأييد، ومنْح القوة والاستمرارية فى العمل."2"

والدعم، فى اصطلاح علماء التربية، بناءٌ نَسَقي، واستراتيجية منظمة تتغيّى تصحيح ما يلاحَظ على المتعلم من تعثر دراسي، وسدّ مواطن النقص لديه، وتعديل مساره التعلمى فى الاتجاه الإيجابى الصحيح. وقد عرّفه رونالد ليجوندر "R.Legendre" بأنه: "سَند "Appui" يقدمه شخص متخصص للمدرِّس، قصد مساعدته على تكييف تعليمه أو مواقفه التدريسية مع حاجات التلاميذ المتعثرين.""3"

وبناءً على هذا، يتضح أن للدعم أهمية كبرى فى المجال البيداغوجي، إذ يعد – حسب المذكرة الوزارية رقم 138، المؤرّخة بـ 20/10/1997 – "الإجراء التربوى الأكثر ملاءمة وشيوعا فى نطاق تعميق الفهم، وتطوير المهارات، وترسيخ المكتسَبات بين فئات التلاميذ على اختلاف مستوياتهم وفى جميع مراحل التعليم وأطواره؛ بهدف تمكينهم من فُرَص إدراك مواطن ضعفهم، وإبراز قدراتهم الحقيقية، وتقليص التباعُد المُلاحَظ بينهم، وتلافى ما قد يعترض بعضهم من صعوبات ومَعيقات". وقد ألحّت المذكرة نفسُها على أن الدعم عملية ضرورية ولازبة لكل فعل تعليمي-تعلمى جادّ، وذلك لكونها "ترمى فى بعدها الوظيفى إلى تطوير المردودية العامة لمجموع الفصل الدراسي، وتجاوُز أشكال التعثر أو التأخر التى تم تشخيصها باعتبارها عائقاً أساسياً أمام سيْر عمليتى التعليم والتعلم سيْراً طبيعياً".

وبالنظر إلى أهمية الدعم هذه، فقد شكّل محور بيداغوجيا خاصة عُرفت باسم "بيداغوجيا الدعم" "Pédagogie de
soutien"؛ وهى مجموعة من التقنيات والطرائق والوسائل والعمليات الديداكتيكية التى تُنْتَهَج داخل الفصل الدراسى أو خارجه، لتحاشى ما قد يظهر على المتعلم من صعوبات تعترض سيْره الدراسي، مع وعْى المدرِّس أو مَن يقوم مقامه بأن هذه الصعوبات طارئة، وليست متأصِّلة فى ذاتية المتعلم، ولا تعكس إمكاناته الحقيقية.

2/- موضوع بيداغوجيا الدعم:

ألْمَحْنا سابقاً إلى أن الموضوع الأساس للدعم التربوى هو التعثر الدراسي، والتلاميذ الضِّعاف فى تحصيلهم الدراسي. وغالبا ما تصاحِب مفهومَ التعثر هذا مفاهيمُ أخرى تتداخل معه، وتلتبس به؛ كــالتأخر الدراسى والفشل الدراسي، وغيرهما من المفاهيم التى – بالرغم من تقاربها الدلالى – لا تؤدى معنى واحداً، ولا تحيل على دلالة التعثر الدراسى بشكل مطابق. وفيما يأتى توضيح أهم هذه المفاهيم المترابطة التى تشكل موضوعات بيداغوجيا الدعم:

-أ- التعثر الدراسى "Les
difficultés scolaires":

يراد بالتعثر أو العثرة، فى اللغة العربية، الكبْوة والزلل. يقال: "عثرة القدم أسْلم من عثرة اللسان". ويراد به، فى الاصطلاح التربوي، انحراف التلميذ بعيداً عن الأهداف المتوخّاة من نشاط تعليمى قائم؛ أو هو خَلل يَشُوب الفعل التعليمي-التعلمى بوصفه نسقاً مؤلفاً من عناصر دينامية متداخلة ومتفاعلة، بدءاً من الأهداف وانتهاءً إلى نتائج التقويم. ويحدد صاحبا كتاب "بيداغوجيا التقييم والدعم" التعثر الدراسى بأنه "الفارق السَّلبى بين الأهداف المتوخاة من الفعل "التعليمي" والنتائج المحقَّقة فعلياً، يتجلى فى مجال عقلي/ معرفى أو وُجْدانى أو حسى حركي. وترجع أسبابه إلى معطيات متفاعــلة؛ مثل مواصفات التلميذ، أو عوامل المحيـــــط، أو سيْرورة ونتـــائج الفعل "التعلـيمي". ويتطلب هذا الفارق إجراءات تصحيحية لتقليصه بأساليب قد تكون بيداغوجية أو غير بيداغوجية"."4"

وليس التعثر الدراسى حالة مَرَضية مرتبطة بعاهة عقلية، بل هو قضية بيداغوجية فى المحلّ الأول. ومن هنا، فهو أمر قابل لأنْ يُعاَلجَ ويُتَجاوَز.

وهذا يدعونا إلى الحديث عن "بيداغوجيا علاجية" "La pédagogie de
remédiation"، تهدف إلى تشخيص التعثر الدراسي، وتحديد عوامل حدوثه، وبناء استراتيجيات تربوية لتصحيحه وعلاجه.

إن تشخيص التعثر يتطلب دراسة شخصية المتعلم فى أبعادها المعرفية والوجدانية والسيكو-حركية. ويسْهِم التقويم المستمر، بشكل رئيس، فى رصد هذا التعثر. وبعد التشخيص والرصد، تعْمِد البيداغوجيا الدّعْمية إلى بحث شتى الأسباب القابعة وراء ذلك التعثر؛ سواء أكانت أسباباً ذاتية مرتبطة بشخصية التلميذ، أم موضوعية مرتبطة بالمحيط السوسيو-ثقافى وبالنظام التربوي. لتخلص – فى المآل – إلى بناء خطط عملية لتجاوز مشكل التعثر فى الدراسة.

-ب- التأخر الدراسى "Le retard scolaire
":

يتحقق التأخر الدراسى "أو التخلف الدراسي" عندما يكون التلميذ دون المستوى الدراسى العادي. وهو إما عام يشمل جميع المواد والوحدات الدراسية، وإما جزئى يقتصر على بعض الموادّ؛ لطبيعتها فى حد ذاتها.

وليس التأخر الدراسى ظاهرة مرَضية دوْماً، بل قد تكون نَتاجاً طبيعياً لما يعيشه التلميذ من صعوبات ناجمة عن الأخطاء البيداغوجية والتربوية؛ كثقل المناهج، وعدم مراعاة مبدإ الفروق الفردية فى وضع البرامج، وتكدُّس التلاميذ فى الأقسام...إلخ.

وقد يزعم زاعمٌ أن بين التأخر الدراسى والتأخر العقلى علاقة طرْديةً؛ بحيث إن تخلف التلميذ دراسياً يستلزم دوماً تخلفه العقلي. والحقيقة غيرُ ذلك؛ لأن التأخر الدراسى حالة غير مرضية فى الغالب، على حين إن التأخر العقلى حالة مرضية. وقد نلفي، فى حالات قليلة، تلاميذَ يُعانون تأخراً مزْدوجاً؛ أى على المستوى الدراسى وعلى المستوى العقلى كذلك، ويكون أولهما استجابة واقعية لثانيهما. ولكن، فى أكثر الحالات، يتحقق تأخر التلميذ دراسياً، وهو سليمٌ عقلياً.

-ج- اللاّتكيُّف الدراسى "L’inadaptation scolaire
":

إن اللاتكيف الدراسى "أو اللاتوافق الدراسي" حالة يوصَف بها التلميذ عندما يكـــــون:"5"

* ذا مستوى دراسى طبيعي، إلا أن سلوكه لا يتوافق مع حياة جماعة الصّفّ؛ لأسباب نفسية أو عضوية.

* مِن الذين يُعانون من تأخر دراسى بسبب مشاكل نفسية حادّة، كالاضطرابات الوُجْدانية.
* مِن الذين يعانون من صعوبات خاصة؛ كعُسْر القراءة "Dyslexie
"، والتعثر فى الكتابة "Dysgraphie".

* مِن الذين تعطّلت بعضُ حَواسّهم.
-د- الفشل الدراسى "L’échec scolaire
":

ومعناه عدم قدرة التلميذ على متابعة دراسته بصفة نهائية. ولا نقول إن هذا المتعلم فاشلٌ فى دراسته إلا إذا بُذِلت فى تقويمه ودعمه جميع المجهودات والإمكانات، ولكن دون جدوى تُذكَر. وعليه، فالفشل الدراسى "أو الإخفاق" يمتاز من المفاهيم المتقدمة بكونه حالة غيرَ قابلة للتصحيح ولا للعلاج.

ويعد التلميذ فاشـــلاً دراسياً حينما يحـــس بــ:"6"

* أنّ مختلِف إنجازاته المدرسية دون المستوى المطلوب.

* أن مستوى القسم، ومعطيات البرنامج، وجوّ المدرسة لا يتوافق معه.

* أن وجوده فى المدرسة تضييع للوقت، وتفويت للفرص، قد يؤثر سَلباً على مستقبله المِهْنى والاجتماعي.

No comments:

Post a Comment